عبد الوهاب الشعراني

12

تنبيه المغترين

ملازمة الكتاب والسنة ملازمة الكتاب والسنة كلزوم الظل للشاخص ولا يتصدر أحدهم للإرشاد إلا بعد تبحره في علوم الشريعة المطهرة بحيث يطلع على جميع أدلة المذاهب المندرسة والمستعملة ويصير يقطع العلماء في مجالس المناظرة بالحجج القاطعة أو الراجحة الواضحة وكتب القوم مشحونة بذلك كما يظهر من أقوالهم وأفعالهم ، وقد كان سيد الطائفة الإمام أبو القاسم الجنيدر رضي اللّه عنه يقول كتابنا هذا - يعني القرآن - سيد الكتب وأجمعها وشريعتنا أوضح الشرائع وأدقها وطريقتنا - يعني طريق أهل التصوف - مشيدة بالكتاب والسنة ، فمن لم يقرأ القرآن ويحفظ السنة ويفهم معانيهما لا يصح الاقتداء به ، وكان رضي اللّه عنه يقول ما نزل من السماء علم وجعل الحق تعالى لغير نبي إليه سبيلا إلا وجعل لي فيه حظا ونصيبا ، وكان رضي اللّه عنه يقول لأصحابه لو رأيتم رجلا قد تربع في الهواء فلا تقتدوا به حتى تروا صنعه عند الأمر والنهي فإن رأيتموه ممتثلا لجميع الأوامر الإلهية مجتنبا لجميع المناهي فاعتقدوه واقتدوا به وإن رأيتموه يخل بالأوامر ولا يجتنب المناهي فاجتنبوه انتهى . ( قلت ) وهذا الخلق قد صار غريبا في فقراء هذا الزمان فصار أحدهم يجتمع بمن ليس له قدم في الطريق ويتلقف منه كلمات في الفناء والبقاء والشطح بما لا يشهد له كتاب ولا سنة ثم يلبس له جبة ويرخي له عذبة ثم يسافر إلى بلاد الروم مثلا ويظهر الصمت والجوع فيطلب له مرتبا أو مسموحا ويتوسل في ذلك بالوزراء والأمراء فربما رتبوا له شيئا فيصير يأكله حراما في بطنه لكونه أخذه بنوع تلبيس على الولاة واعتقادهم فيه الصلاح . وقد دخل على شخص منهم فصار يخوض بغير علم ولا ذوق في الفناء والبقاء ومعه جماعة يعتقدونه فواظبني أياما ، فقلت له يوما أخبرني عن شروط الوضوء والصلاة ما هي ؟ فقال لي : أنا ما قرأت في العلم شيئا فقلت له يا أخي إن تصحيح العبادات على ظاهر الكتاب والسنة أمر واجب بالإجماع ومن لم يفرق بين الواجب والمندوب ولا بين المحرم والمكروه فهو جاهل ، والجاهل لا يجوز الاقتداء به لا في طريق الظاهر ولا طريق الباطن ، فخرس ولم يرد جوابا ثم انقطع عني من ذلك اليوم وكان قد أبادني شرا من سوء أدبه فأراحني اللّه منه . وكان شيخنا سيدي علي الخواص رحمه اللّه يقول إن طريق القوم رضي اللّه عنهم محررة على الكتاب والسنة تحرير الذهب والجوهر وذلك لأن لهم في كل حركة وسكون نية صالحة